عبد الجبار الرفاعي
299
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
السيرة فيما سبق كنا نتحدث عن دلالة السكوت على الامضاء ، أي ان المعصوم إذا سكت عن سلوك معين ، فان سكوته يدل على أن هذا السلوك ممضى ومقبول من الناحية الشرعية ، وهنا نصنف السلوك الذي يواجهه المعصوم إلى نوعين : 1 - السلوك الشخصي الفردي ، كما لو قرأ أحدهم أمام المعصوم القرآن بقراءة خاطئة ، أو توضأ بطريقة خاطئة ، فهذا سلوك شخصي وفردي وخاص . 2 - السلوك الاجتماعي ، أو قل الظاهرة الاجتماعية ، أي ان الناس كجماعة توجد في حياتهم عدة ظواهر اجتماعية ، من التقاليد والأعراف والظواهر الأخرى ، فعند ما يواجهها المعصوم ويسكت عنها أو عن بعضها ، فما يسكت عنه يدل سكوته على الامضاء ، وعلى أن هذا السلوك صحيح من الناحية الشرعية . وبعبارة أخرى : إذا سكت المعصوم عن ظاهرة يمارسها الناس أو سلوك اجتماعي عام ، أو ما يعبر عنه بين الأصوليين بالسيرة العقلائية ، فان سكوته يدل على الامضاء والمشروعية . فمثلا كنموذج لسيرة العقلاء أو قل الظواهر الاجتماعية في حياة الناس ، ان الحيازة سبب للملكية ، فالذي يذهب للنهر ويملأ وعاء من الماء يمتلكه ، لأنه حازه ، كذلك من يذهب إلى الجبل ويأخذ حجرا يمتلكه ؛ لأنه حازه ، . . . الخ . ذلك ان العقلاء تعارفوا على أن الحيازة سبب الملكية ، فهذه الحيازة تعبر عن سلوك اجتماعي ، وبعبارة فنية ( سيرة عقلائية ) ، كانت بمرأى ومسمع من المعصوم وسكت عنها ، فسكوته عنها يدل على امضائه لها . إذا لا يعبر سكوت المعصوم عن السلوك الشخصي والفردي كونه دليلا على الامضاء فقط ، وانما أيضا - وهو الأهم - سكوت المعصوم عن الظواهر